السيد محمد تقي المدرسي
91
فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)
نظريات نشأة اللغات عبر التاريخ إن البحث عن نشأة اللغات وتطورها امتد " من عهد السوفسطائيين وسقراط إلى أفلاطون الذي ذهب في محاورة قراطيلوس أو كراتيل ( kratyles ) إلى أنّ للألفاظ معنى لازماً يتصل بطبيعتها الذاتية . فالكلمات تتطابق ومسمياتها ، أي الأشياء التي تدل عليها " . « أمّا أرسطو فقد ذهب إلى أنّ العلاقة بين اللفظ والمعنى اصطلاح ناجم عن اتفاق أو تراضٍ بين البشر . » « 1 » أمّا عند العرب فقد اختلفوا في ذلك ، فبينما ذهب عباد بن سليمان الصيمري إلى دلالة الألفاظ على المعاني بذواتها فقد ذهب الأشعري إلى أنّ الله سبحانه هو واضع اللغة ، والمعتزلة ذهبوا إلى وضع الناس ، أمّا ابن الجني فبقي حائراً بين التوقيف والاصطلاح مع إقراره بأنّ بعض اللغة يمكن ردّه إلى المحاكاة الصوتية . « 2 » وهكذا ينبغي أن يهتم الدارسون للغة العربية وأبعاد دلالتها البلاغية بما للحروف من تأثيرات صوتية تتناغم ومعانيها عند اجتماعها . وقد قام الخليل وسيبويه بجهد كبير في معرفة مخارج الحروف وخصائصها النطقية وتوصّلوا فيها إلى أبعد ممكن في عصرهم ، وتبعهم دارسو علم التجويد إلّا أنهم توقفوا عند هذا الحد إلّا قليلًا منهم ، ولو أنهم استمروا في هذا الإطار فلعلّهم توصّلوا إلى مفاتيح علم الدلالة وأضافوا الكثير إلى علوم المعاني . يقول الدكتور صبحي الصالح : إنّ الظاهرة اللغوية التي أوضحها ابن الجني في المناسبة الطبيعية بين الألفاظ والمعاني « تُعدّ فتحاً مبيناً في فقه اللغات عامة » . « 3 » بلى إنّ بعض علماء اللغة العرب إهتموا بما سمّوه بالصرف الكبير حيث يعتمد أساساً على الحروف المتشابهة في الكلمات المختلفة وأثرها في المعنى . وبالرغم من أننا لسنا بحاجة اليوم إلى هذا العلم لمعرفة معاني الكلمات إلّا أننا نستفيد منه في علم المعاني وأبعاد دلالة الكلمات حيث أنّه ينفعنا كثيراً في معرفة لطائف البيان .
--> ( 1 ) - مبادئ اللسانيات ، ص 282 . ( 2 ) - انظر : المصدر ، ص 286 ( 3 ) - فقه اللغة العربية ، ص 19 .